صديق الحسيني القنوجي البخاري

24

فتح البيان في مقاصد القرآن

والخيل في كلام العرب واحد ، وأنها تعاقب بين الراء واللام فتقول انهملت العين وانهمرت وختلت وخترت ، قال النحاس وفي الحديث : « الخيل معقود بنواصيها الخير » « 1 » فكأنها سميت خيرا لهذا وقيل لما فيها من المنافع وعن بمعنى على ، أي آثرت حب الخيل على ذكر ربي يعني صلاة العصر ، وبه قال علي ، وقال ابن عباس الخير المال ، وقيل أحببت بمعنى لزمت ، وقيل بمعنى قعدت من أحب البعير إذا سقط وبرك من الإعياء ، وقيل بمعنى أردت . حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ يعني الشمس ولم يتقدم لها ذكر ولكن المقام يدل على ذلك ، قال الزجاج إنما يجوز الإضمار إذا جرى ذكر الشيء أو دليل الذكر ، وقد جرى هنا الدليل . وهو قوله بالعشي ، والتواري الاستتار عن الأبصار والحجاب ما يحجبها عن الأبصار ، قال قتادة وكعب الحجاب جبل أخضر محيط بالخلائق وهو جبل قاف ، وسمي الليل حجابا لأنه يستر ما فيه ويقال إن الحجاب جبل دون قاف بمسيرة سنة تغرب الشمس من ورائه وفيه بعد وبرودة ، وعن ابن مسعود قال تورات من وراء ياقوتة خضراء فخضرة السماء منها ، وعن ابن عباس قال كان سليمان لا يكلم إعظاما له فلقد فاتته صلاة العصر وما استطاع أحد أن يكلمه ، وقيل الضمير للخيل أي حتى توارت في المسابقة عن الأعين ، والأول أولى . وقوله : رُدُّوها عَلَيَّ من تمام كلام سليمان أي أعيدوا عرضها عليّ مرة أخرى ، قال الحسن إن سليمان لما شغله عرض الخيل حتى فاتته صلاة العصر غضب للّه ، وقال ردوها عليّ ، أي أعيدوها ، وقال ابن عباس ردوها أي الخيل وقيل الضمير يعود إلى الشمس ، ويكون ذلك معجزة له ، وإنما أمر بإرجاعها بعد مغيبها لأجل أن يصلي العصر ، والأول أولى . فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ الفاء هي الفصيحة التي تدل على محذوف في الكلام والتقدير هنا فردوها عليه قال أبو عبيدة طفق يفعل مثل ما زال يفعل ، وهو مثل ظل وبات وانتصاب مسحا على المصدرية بفعل مقدر ، أي يمسح مسحا لأن خبر طفق لا يكون إلا فعلا مضارعا ، وقيل : هو مصدر في موضع الحال والأول أولى والسوق جمع ساق والأعناق جمع عنق والمراد أنه طفق يضرب أعناقها وسوقها بالسيف ، يقال مسح علاوته أي ضرب عنقه قال الفراء المسح هنا القطع قال : والمعنى أنه أقبل يضرب سوقها

--> ( 1 ) وروي الحديث أيضا بلفظ : « الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة » ، أخرجه البخاري في المناقب باب 28 ، ومسلم في الزكاة حديث 25 ، والإمارة حديث 96 - 99 ، وأبو داود في الجهاد باب 41 ، وابن ماجة في التجارات باب 29 ، والجهاد باب 14 ، والدارمي في الجهاد باب 33 ، ومالك في الجهاد وحديث 44 ، وأحمد في المسند 3 / 39 ، 5 / 181 .